الفصل الأول :واقع زراعة نخيل التمور في دولة الإمارات

النخيل وموطنه الأصلي

نخيل التمر Phoenix dactylifcra,L. من النباتات المعمرة دائمة الخضرة ذوات الفلقة الواحدة ينتمي إلى العائلة النخيلية Palmaceae التي تنتمي إلى الرتبة Palmae .  لم يتم العثور على نخيل التمر بصورته البرية، ولذا فان أصل نخيل التمر لازال محاطا ً بالغموض، باستثناء بعض النظريات التي تفترض بأن نخيل التمر نشأ نتيجة طفرة وراثية من نخيل الزينة الذي كانت تنتشر زراعته غرب الهند وجزر الكناري، في حين ترى فرضية أخرى بأن نخلة التمر قد تطورت من أصل بري، ونتيجة للظروف البيئية ولتدخل الإنسان في عملية الانتخاب والتحسين لحقبة طويلة من الزمن تم الحصول على نخيل التمر الحالي .

أما الموطن الأصلي لنخيل التمر فيعتقد معظم علماء التقسيم النباتي بأن المناطق المحيطة بالخليج العربي والعراق هي الموطن الذي نشأت فيه هذه الشجرة ومنه انتشرت إلى أرجاء العالم، ويرى المؤرخ ابن وحشية بأن جزيرة حرقان الواقعة في دولة البحرين قد تكون الموطن الأصلي الذي نشأت فيه نخلة التمر .

تاريخ النخيل في العالم

لقد عرف الإنسان نخلة التمر منذ قديم العصور كشجرة تتميز بصفات متعددة فريدة، وكان يرى فيها منبعاللخير والبركة ففي بابل تم العثور على آثار تشير إلى نخيل التمر يعود تاريخها إلى 4000 سنة قبل الميلاد بالإضافة إلى الآثار الفرعونية في عصر الأسرة الأولى والتي عاشت قبل الميلاد بما يقرب من 3200 سنة .

وبالنظر للدور المهم والبارز الذي كان ولا يزال يمثله نخيل التمر في حياة الشعوب والأمم، فقد ورد ذكره في معظم الكتب السماوية المقدسة وأولها التوراة، وفي الإنجيل أن أنصار المسيح عليه السلام فرشوا خوص (سعف) النخيل في طريقه لدى دخوله بيت المقدس وعندما دخل مدينة القدس فان المسيح عليه السلام كان حاملا صرمة (فسيلة) كرمز من رموز السلام .

أما الدين الإسلامي الحنيف فقد أكد على أهمية النخيل الغذائية والاقتصادية، وتكرر ذك ـ ر نخيل التمر في القرآن الكريم مرات عديدة حيث قال سبحانه وتعالى (بسم الله الرحيم " ونزلنا من السماء ماءً مباركا ً فأنبتنا به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقاً للعباد " ( سورة "ق" الآيات 9 - 10 - 11 مكية) والرزق بمفهومه يعني الغذاء ويعني المردود الاقتصادي أيضا ً .

وفي سورة الأنعام (بسم الله الرحمن الرحيم " وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها ً وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر و آتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إ نه لا يحب المسرفين " ) (سورة الأنعام الآية (141) مكية) والأمر بالأكل من التمر هنا إشارة إلى انه غذاء مفيد للإنسان .

كما عززت السنة النبوية المطهرة الاهتمام بنخيل التمر فقد ورد في الكثير من الأحاديث النبوية الشريفة ذكر نخلة التمر وأهميتها حيث يروى عنه - صلى الله عليه وسلم - انه قال:  (إذا أ فطر أحدكم فليفطر على تمر فان لم يجد فعلى ماء طهور).  وقد اثبت العلم الحديث بأن التمر ضروري لإفطار الصائم إذ يمده بمصادر الطاقة فتزول عنه آثار الصيام المتعبة بسرعة.  ويقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :  (بيت لا تمر فيه جياع أهله).  كما يروى في الأثر عنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - (سبع يجرى للعبد أجرهن بعد موته وهو في قبره (من علم علما أو أكرى نهرا أو غرس نخلا أو بنى مسجدا أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته أو ورثه مصحفا) وأيضا (النخيل والشجر بركة على أهلهم وعلى عقبهم ).

وهكذا يتبين دور نخيل التمر في تغذية الإنسان وإمداده بمصادر الطاقة وأسباب الصحة، ولذلك فأننا نرى أن عرب الجزيرة العربية الأوائل حيث كان التمر يشكل نسبة كبيرة من غذائهم، فأنهم كانوا يتمتعون بصحة جيدة وقدرة كبيرة على تحمل شظف العيش والظروف المناخية القاسية كما كانوا يتسمون بطول أعمارهم مقارنة بالشعوب الأخرى .

تاريخ النخيل في دولة الإمارات العربية المتحدة

وجدت نخلة التمر منذ آلاف السنين في الإمارات كجزء أساسي ومهم من المنطقة المحيطة بالجزء الشمالي من الخليج العربي والتي منها انتشر النخيل إلى أرجاء العالم، ولذا فهي من أقدم أشجار الفاكهة التي عرفها إنسان هذه المنطقة .

لقد لعبت النخلة دوراً مهما في فترة ما قبل النفط حيث كانت تشكل المحور الأساسي للحياة ، فثمارهاللغذاء وجذعها وسعفهاللبناء، وخوصها وليفها استعملا في العديد من الصناعات اليدوية المهمة في ذلك الوقت، فهي الشجرة الوحيدة التي يستغل كل ما تجود به ليتحول إلى منافع واستعمالات كثيرة لا غنى للناس عنها آنذاك فقد كانت بحق شجرة معطاء ومصدر رزق للمزارعين .

وقد كانت هناك علاقة ود وإكرام متبادلة بين النخلة والإنسان، منها إننا نرى المزارع عند تمام حصاده للثمار يتغنى بقوله (تربعي يا كريمة، والحول عودي شربي الروايح والرعودي) ومن الصعب تحديد تاريخ النخيل في دولة الإمارات العربية المتحدة حيث انه ضارب في القدم وقد كان وجوده مركزا ً في ثلاث بيئات رئيسية هي :

1)المناطق الساحلية

مزارع النخيل القديمة في الساحل الشرقي
(شكل رقم 1) إحدى مزارع النخيل القديمة في الساحل الشرقي
وهذه تمثل الشريط الساحلي الغربي لدولة الإمارات العربية المتحدة (شواطىء الخليج العربي) والشريط الساحلي الشرقي (شواطىء خليج عمان).  وتمتد المنطقة الأولى من عاصمة الدولة أبوظبي إلى رأس الخيمة شمالا حيث اشتهرت بعض المواقع كالجميرا في دبي والحيرة في الشارقة بكثافة أشجار النخيل فيها، وهذه المواقع التي يزدهر فيها نمو النخيل عادة ما تتوفر فيها المياه العذبة بالرغم من قربها من الشاطئ ويعتبر مستوى الماء الأرضي فيها مرتفعا ولا تروى أشجار النخيل هذه إلا عند زراعتها وعندما تكون صغيرة في العمر فقط، إما بعد اكتمال نموها فإنها تعتمد على نفسها في الاستفادة من الماء الأرضي.

وهذه المواقع عادة ما تكون هي المقايظ التي يلجأ الناس إليها في وقت الصيف للقيظ تحت ظلال أشجار النخيل وتشكل هذه المواقع مساحات محدودة تمتد على طول الشاطئ.  وهناك مواقع أخرى تكون قريبة من المدن ومن الشاطئ في نفس الوقت كتلك المساحات المحصورة ما بين سلسلة الجبال والشاطئ في رأس الخيمة وهذه غالبا ما تكون مساحات ممتدة للداخل ويختلف عمقها باتساع المساحة المحصورة ما بين البحر والجبل حيث تضيق تارة مثلما هو الحال في شعم وتتسع تارة أخرى كما في منطقة الحيل.

وتتصف هذه المواقع بجودة تربتها وعذوبة مياهها إضافة لقرب مستوى الماء الأرضي حيث لا يتعدى عمق الماء 3 - 4 أمتار.  ويعتبر نمو النخيل في هذه المواقع جيدا ويلقى عناية متميزة على مدار العام ويعتمد في ريه على المياه الجوفية بالغرافة (المنزفة) أو الساقية (اليازرة) ويكون إنتاجه جيدا.  ومثلما هو الحال في الساحل الغربي فكذلك في الساحل الشرقي الممتد من كلباء جنوبا وحتى دبا شمالا حيث تنتشر غابات النخيل على امتداد الشاطئ (شكل رقم 1) ولا تزداد عمقا للداخلبل تبقى قريبة من الشاطئ حيث التربة الجيدة والمياه العذبة القريبة من السطح ويستعمل في ري أشجار النخيل نفس الأسلوب السابق المتبع في مثيلها، وغالبا ما يجود في هذه المناطق صنف دون آخر لتأقلمه مع البيئة في تلك المواقع حيث تمكنه مواصفاته الفسيولوجية من تحمل بعض الظروف المناخية الخاصة بمناطق دون أخرى.

فحين نـرى أن صنف النغال هو الصنف المبكر في نخيل الحير حيث المواقع الجبلية نرى أن الصلاني هو أبكر الأصناف بين نخيل السواحل، وكذلك الحال بالنسبة للأصناف الأخرى فحين يسود صنف الأشهل (الشهلة) في الساحل الشرقي يسود الانوان وجش فلقة في نخيل الَحير.

2)المناطق الجبلية: (الحيور)

وهذه تعتبر من المواقع الداخلية المزروعة بالنخيل حيث تنتشر واحات النخيل بين السهول والجبال الممتدة من رأس الخيمة في الشمال حتى مدينة العين في الجنوب.  وتعتبر هذه المواقع مغايرة في مواصفاتها للمواقع الساحلية، حيث تختلف فيها طبيعة الأصناف وطرق الري والزراعة، ويختلف حجم هذه المواقع تبعا لمصدر المياه المتوفرة فحيثما توجد كميات كبيرة من المياه الصالحة للري نشاهد الواحات الكبيرة، وحيثما تقل كمية المياه المتوفرة في هذه المناطق للري فإن حجم المنطقة المزروعة يكون صغيرا وتختلف مصادر المياه المتوفرة في هذه المناطق فهي إما عيون كما هو الحال في مسافي وخت أو أفلاج كما في العين والذيد وعسمه وفلج المعلا وغيرها أو آبار جوفية كما هو الحال في اذن وغيرها.

تتأثر كميات المياه المتاحة للري في العيون والأفلاج بكميات الأمطار الهاطلة في المواسم المختلفة ولكنها في الغالب الأعم تفي بالحاجة حيث لا يعمد الناس لزراعة نخيل جديد ويكتفوا برعاية الموجود وإبدال التالف منه نتيجة لسقوطه بفعل تقدم العمر أو الرياح حيث لم تكن الآفات المعروفة تسبب ضررا بالغالأشجار النخيل في ذلك الوقت.

تتميز المناطق الجبلية بجودة أصنافها مقارنة بالمناطق الساحلية حيث توجد فيها مجموعة من الأصناف كالخنيزي والخشكار والخصاب وجش فلقه والانوان والنغال وغيرها كما تتصف بعذوبة مياهها واعتدال مناخها صيفا وقلة الرطوبة الجوية مما يكسب الثمار صفات الجودة ويحافظ عليها من التحمض بفعل الرطوبة الجوية، إلا أن التمور المنتجة من هذه المناطق قليلة حيث يستهلك معظم إنتاجها رطبا خاصة الأصناف المبكرة كالنغال اذ تعتبر مصدر رزق لمزارعي النخيل في هذه المناطق ونادرا ما تترك لتتحول إلى تمر.

3) الواحات

واشهرها واحات ليوا والعين حيث تمتد شبكة من الأفلاج في مناطق العين المختلفة كفلج الصاروج والهيلي والقطارة والسعودي وغيرها، حيث تغذي واحات النخيل بالمياه العذبة لتظل يافعة خضراء وذات إنتاج وفير.

أما في محاضر ليوا فان الوضع يختلف حيث تعتمد مزارع النخيل على الري من الآبار اليدوية وهذا يكون في بداية عمرها وبعد ان يكتمل نموها فإنها لا تروى بل تعتمد على نفسها في الاستفادة من المياه الجوفية ذات المستوى المرتفع حيث يتراوح عمقها ما بين 3 - 5 أمتار وقد يصل إلى 10 أمتار.  في بعض الأحيان وعند الرغبة في إنشاء مزرعة جديدة في محاضر ليوا فإنه عادة ما يتم هذا العمل جماعيا ويعرف بالفزعة حيث يتعاون عدد من السكان على حفر البئر وتبدأ عملية الحفر بصب الماء على المكان المراد حفر البئر فيه قبل عملية الحفر بيومين لكي لا يتهدل ( يتردم ) البئر عند حفره وعادة ما يكون موسم الزراعة بعد ظهور سهيل.

القيمة الغذائية للتمور

مخطط التركيب الكيميائي لمحتويات التمور
الشكل رقم (2) مخطط التركيب الكيميائي لمحتويات التمور

تكتسب التمور أهمية غذائية خاصة نظرا لما تحتويه من عناصر مهمة في تغذية الإنسان وصحته.   ولأن سكان الجزيرة العربية الأوائل كانوا يعتمدون في غذائهم بشكل كبير على التمر بجانب اللبن فإنهم كانوا يتمتعون بصحة جيدة وقدرة على تحمل أعباء الحياة القاسية ونادرا ما يصابون بأمراض العصر كأمراض القلب أو غيرها بالإضافة إلى أعمارهم الطويلة مقارنة بشعوب المناطق المجاورة .

فالتمور مصدر رئيسي للسكريات مولدة الطاقة والتي يتكون منها لب الثمرة كما تحتوي على نسبة عالية من الأملاح المعدنية وبعض الفيتامينات والألياف والمواد البكتينية، ويمثل (الشكل رقم 2) التركيب الكيماوي للتمور .

تمثل السكريات 60 - 85% من الوزن الرطب للتمرة، لذلك فان التمور تعطي سعرات حرارية عالية جدا مقارنة بالمواد الغذائية الأخرى، اذ يكفي 100 غرام من التمر لإمداد الإنسان بـ 300 سعرة حرارية .

تشكل السكريات الأحادية (الجلوكوز والفركتوز) حوالي 95% من سكريات التمور الطرية وهي سريعة الامتصاص تصل إلى الخلايا بسرعة فتزودها بالطاقة الحرارية اللازمة للعمليات الحيوية لذلك فان التمور سهلة الهضم مقارنة بالدهنيات أو البروتينات أو السكريات المعقدة ولذلك ينصح الصائم بالإفطار على التمر للإسراع بإزالة ما يتركه الصيام من دوخة وزوغان البصر والنحول.  كما يعتقد بعض الأطباء بان التمر يغسل الكلى ويدر البول، وقد أطلقوا عليه ( منجم المعادن) نظرا لكثرة العناصر التي يحتويها، فهو غني بالفسفور الذي يلعب دورا معروفا في زيادة حيوية المراكز المسئولة عن التفكير والجنس، كما يحتوي على مقادير مناسبة من العناصر الأساسية في العمليات الحيوية للجسم وهو غني بالمغنسيوم ذ ي الدور الواقي من السرطان .

أما الفيتامينات فتعتبر التمور من المواد الغنية بها وخاصة فيتامين (أ) الذي يطلق عليه الأطباء (عامل النمو) لأنه يساعد على زيادة وزن الأطفال بجانب فائدته في تقوية الأعصاب البصرية وإزالته العشى ( العمى الليلي)، ولهذا السبب نجد البدو حيث تشكل التمور نسبة كبيرة في غذائهم يتمتعون بقوة بصرهم والرؤيا لمسافات بعيدة، كما يعمل هذا الفيتامين على تقوية الأعصاب السمعية، بالإضافة إلى احتواء التمر على فيتامينات ( B7, B2 , B1 ) التي تقوي الأعصاب وتزيد من مرونة الأوعية الدموية الأمر الذي يساعد القلب في عمله ويقي الإنسان من مخاطر ارتفاع ضغط الدم كما ينصح الأطباء بتناول فيتامين B2 لعلاج أمراض الكبد واليرقان وتشقق الشفاه وكسر الأظفار وجفاف الجلد .

تحتوي التمور على كمية قليلة من المواد الدهنية والبروتينات المهمة جدا لجسم الإنسان فهي من المصادر المهمة للحامض الأمنيي النادر (Bebo Colic) كما أنها تحتوي على نسبة من الألياف الضرورية لتنشيط حركة الأمعاء والوقاية من حالات الإمساك التي يعاني الكثير منها .

هذا وتدخل التمور في كثير من الصناعات الغذائية التحويلية كصناعة الدبس والسكر السائل والخل والكحول الطبي وخميرة الخبز والبروتين المركز وحامض الليمون وصناعات المعجنات .

وهكذا يتضح مما تقدم بأن التمور يمكن اعتبارها إحدى السلع الاستراتيجية التي يمكن ان تحتل مكانة بارزة في أولويات الأمن الغذائي .

 

البيئة
الزراعة
الثروة الحيوانية
الثروة السمكية
المياه والتربة
نخيل التمر
الاحصائيات