|
اعداد :
المهندس احمد عبدالرحمن الجناحى
مدير ادارة الثروة السمكية
في خلال العقود الثلاثة الاخيرة ومنذ انشاء برنامج الامم المتحدة للبيئة ( اليونيب ) كان هناك نشاط ملحوظ علي المستوي العالمي من خلال المؤسسات المختصة والمهتمين بشئون البيئة , وذلك عن طريق تنظيم ندوات ومؤتمرات متخصصة تبحث في شؤون البيئة وتساعد في توعية المجتمع والبيئة التي يعيش فيها ودور الفرد في الحفاظ عليها , الا أن هذا الموضوع لم ينل نصيبه في مجتمعنا الخليجي بالشكل المطلوب . وعندما نهدف الي اثارة موضوع البيئة البحرية في مياه الخليج العربي فإن لهذا صلة وثيقة بمصلحة الانسان الذي يعيش في هذه المنطقة .
يتميز الخليج العربي بأنظمته الايكولوجية البحرية , ومنا بيئة الشعٌاب المرجانية , والحشائش والاعشاب البحرية , والمسطحات الطينية ومستنقعات اشجار القرم . وكل من هذه الانظمة له دور مهم في زيادة تنوع الكائنات البحرية , وبالذات الثروة السمكية التي يزيد عدد انواعها علي 300 نوع نظراً للتمايز الموجود بين هذه البيئات الطبيعية . ولقد تعرضت هذه البيئات في العقود الثلاثة الاخيرة لظروف قاسية نتيجة الحروب والتلوث النفطي , والتنمية المستمرة وبشكل خاص في المنطقة الساحلية , التي تعد بمثابة العمود الفقري بتمويل البيئة البحرية بالاسماك مما حدا بالدول الثمانية المطلة علي الخليج العربي , وهي سلطنة عٌمان والامارات العربية المتحدة , ودولة قطر , ومملكة البحرين , والمملكة العربية السعودية , ودولة الكويت والجمهورية العراقية , والجمهورةي الاسلامية الايرانية , الي انشاء المنظمة الاقليمية لحماية البيئة البحرية ( روبمي) في مطلع الثمانينات ومقرها الكويت .
وفي هذه الفترة الزمنية القصيرة نسبياً استنزف الانسان عن طريق الصيد الجائر وأعمال الردم المستمرة والتلوث , الكثير من الموارد الطبيعية , الا ان مياه خليجنا الضحلة مازالت تحتضن الكثير من الكائنات البحرية التي من الواجب علينا استغلالها بطريقة تضمن استمرارها كما حفظها الاباء والاجداد .
تلوث البيئة البحرية
بدأ عقد التسعينات في هذه المنطقة بداية سيئة جدا حيث فقدت الاف الارواح عام 1991 , بسبب حرب الخليج الثانية , وشكلت هذه الحرب كارثة بيئية كبري في المنطقة , وأدت بقعة الزيت الناتجة عن التسرب والتي وصلت الي 11 مليون برميل من النفط الخام , الي نفوق ما يقارب 30.000 من الطيور البحرية . إضافة الي تلوث حوالي 20% من غابات اشجار القرم < وتضررت ما يقارب علي 50% من الشعٌب المرجانية . ولم ينج الغلاف الجوي من هذه الكارثة ايضاً , حيث حل ظلام جزئي في معظم المناطق بسبب احراق حوالي 67 مليون طن من النفط , ونتج عن ذلك حوالي مليوني طن من ثاني اكسيد الكبريت .
ويتعرض التنوع البيولوجي في بحر الخليج العربي , الي ضغوطات كثيرة بقعل الانسان وبعضها مرتبط بالتلوث النفطي بسبب حركة الناقلات الكبيرة للنفط عبر مضيق هرمز , حيث تمر اكثر من 1,000 ناقلة سنوياً عبر هذا المضيق منها 60% ناقلات للنفط وهناك حوالي 34 مرفأ لشحن النفط والغاز بعيداً عن الشواطئ , ويتسرب سنوياً حوالي 2 , 1 مليون برميل من النفط في البحر , وذلك بسبب التصريف الدوري لمياه توازن الناقلات , ولذا فقد يصبح هذا البحر أكثر بحار العالم تلوثاً , ما لم تتخذ وتفرض اجراءات صارمة في الحد من التلوث .
وأسهمت الحروب ايضا في تدهور الثروة البحرية , فقد تسببت الحرب العراقية الايرانية في تدفق 2-4 مليون برميل من النفط الي البحر وتدفقت 6-8 مليون برميل من النفط في البحر في خلال حرب الخليج الثانية . ويمثل التخلص من مياه الصرف قضية رئيسة , حيث تمثل مياه الصرق غير المعالجة أو المعالجة جزئياً قبل تصريفها في المناطق الساحلية , بالقرب من المدن الكبري غالباً , أحدي الممارسات الشائعة المستمرة في بعض الدول المطلة علي الخليج العربي . ولا يزال تفريغ الكلورين والمياه عالية الملوحة والحرارة من محطات التحلية يشكل باستمرار خطراً كبيراً علي البيئة البحرية , وينتج ما يقارب علي 43% تقريباً من مياه العالم المحلاة في دول مجلس التعاون الخليجي ومازالت تتصاعد .
الغلاف الجوي
نوعية الهواء
لا يزال مستوي التحول الصناعي منخفضاً في دول غرب اسيا التي تتكون من دول مجلس التعاون الخليجي واليمن , ودول المشرق العربي الذي يضم كلاً من الجمهورية العراقية , المملكة الاردنية الهاشمية , وجمهورية لبنان , والجمهورية العربية السورية , والاراضي الفلسطينية المحتلة , مقارنة مع اوروبا والولايات المتحدة الامريكية , الا ان النمو السكاني والتحول الحضري وزيادة الصناعات النفطية والانشطة الاخري قد أدت الي تكوين (( نقاط ساخنة)) من تلوث الهواء .
وتتمثل مصادر تلوث الهواء في دول مجلس التعاون الخليجي في مصافي ومنصات ومراكز تجميع النفط ومصانع البتروكيماويات والاسمدة والاسمنت والسيارات والاليات الاخري . وتميل التوجهات في دول مجلس التعاون الخليجي نحو تبني سياسات الانتاج الانظف في قطاع الصناعات الضخمة مثل النفط والبتروكيماويات والاسمدة والمعادن . كما أن تزايد أعداد السيارات وسوء الادارة المرورية وقدم السيارات واختناقات المرور خاصة في المدن الكبيرة يضاف الي تلوث الهواء هذا بالاضافة الي ان العديد من السيارات في حالة سيئة , ويتجاوز عمرها حوالي 30% منها الخمسة عشر سنة , وتنبعث منها كميات كبيرة من مركبات الكربون الهيدروجينية وأكاسيد النيتروجين مقارنة بالسيارات الجديدة .
وللتعامل مع هذه المشكلة , قامت دول مجلس التعاون الخليجي بالاستغناء عن البنزين المحتوي علي الرصاص , وتم استخدام البنزين الخالي من الرصاص الذي بدأ انتاجه في مملكة البحرين منذ يوليو 2000. وبجانب تلوث الغلاف الجوي الناتج عن الانشطة البشرية , تساهم العواصف الرملية الموسمية في تلوث الهواء عموماً وعلي طول السواحل الشمالية للخيج العربي علي وجه الخصوص
استنزاف طبقة الاوزون
انضمت دول غرب أسيا ( عدا العراق) علماً بأن جميع هذه الدول مستهلكة وليست منتجة للمواد الكيماوية المستنزفة للاوزون . وقد وضعت برامج تُنظم استيراد واستخدام المواد المستنزفة للاوزون علي الصعيدين الوطني والاقليمي , كما طبقت اللوائح الخاصة بمواصفات انبعاث المواد الكيماوية المستنزفة للاوزون مع انشاء مكاتب ولجان تنسيق الاوزون لمراقبة انشطة الشركات ذات العلاقة باستهلاك وتداول وتخزين هذه المواد الكيماوية . واتجهت معظم الشركات الي التخلص تدريجياً من استخدام المواد المستنزفة للاوزون كما يتطلب بروتوكول كيوتو , ومازال هنالك حاجة الي المزيد من الجهود للتخلص من استخدام بروميد الميثيل الذي لا يزال يستهلك في الاردن ولبنان وسوريا .
تغير المناخ
يرجح أن يتأثر إقليم غرب اسيا بتغيرات المناخ , حيث ترتفع قابلية شبه الجزيرة العربية وعدد من الجزر كمملكة البحرين مثلاً للتأثر بارتفاع مستوي سطح البحر . وسوف تؤثر تقلبات درجات الحرارة وتغير معدلات الامطار علي موارد المياه ومقدرات الانتاج الغذائي . وتشكل أثار تغير المناخ أولوية قصوي في بعض الدول خاصة في دول الجزر مثل البحرين . وبدأت بعض الدول مثل مملكة البحرين , والمملكة الاردنية الهاشمية , وجمهورية لبنان , في مراقبة نوعية الهواء ومؤشرات الارصاد الجوية لحصر انبعاثات الغاز الدفيئة الوطنية فيها ز هذا ويجري العمل علي ذلك في الدول الاخري , كما أوضح هذا الحصر مجموعة من الارقام اعلي من الارقام التي اوردتها كل من برامج الامم المتحدة للتنمية واليونيب والبنك الدولي , ومعهد الموارد العالمية (1998) بمعدل 59% في مملكة البحرين , 72% في المملكة الاردنية الهاشمية , و 25% في الجمهورية اللبنانية .
كما ازدادات انبعاثات ثاني اكسيد الكربون بالنسبة للفرد الواحد في غرب اسيا من 7 , 4 طن في السنة عام 1972 الي 4 , 7 طن عام 1988 , مما يعكس النمو السكاني والتنمية ووالتحول الصناعي في هذه الدول . وقد تراجعت في خلال هذه الفترة الانبعاثات العالية جداً من بعض الدول مثل دولة الكويت , دولة قطر , والامارات العربية المتحدة .
وقد شكل هذا التراجع أحد نتائج السياسات الوطنية التي تضمنت اجراءات مثل برامج الطاقة الانظف وتبني تقنيات فعالة جديدة ووضع مواصفات الهواء .
البيئات المتغيرة
لعل التغيرات التي حصلت في بلاد ما بين النهرين اثرت بشكل مباشر علي البيئة البحرية في الخيج العربي , حيث توجد في بلاد ما بين النهرين مستنقعات متعددة تشكل جزءً مكملا لآنظمة نهري دجلة والفرات والخيج العربي . تقع هذه المستنقعات في مناطق التقاء الانهار جنوبي العراق وتمتد الي داخل ايران وتعرف بالاهوار , ويعزي جفاف هذه الاراضي الرطبة الضخمة الي سببين رئيسين هما : إنشاء السدود في أعالي الانهار ومشاريع التجفيف وقد اوضح المسح الجوي الذي أجري علي اراضي الاهوار عام 1976 بأنها لا تزال سليمة الي حد كبير , الا انه منذ ذلك الحين بدأت في الانحسار ليتبقي منها 10% فقط .
وبحلول العام 2000 لم يبق منها الا جزء صغير هي اهوار الحويزة عبر الحدود العراقية الايرانية , حتي هذه المنطقة نفسها في تناقص مستمر بسبب مشاريع المياه التي يتم تنفيذها في أعالي الانهار . وتشكل الاهوار مواقع هجرة رئيسة للطيور المهاجرة فبأختفائها تتهدد حياة نحو 40 نوعاً من الطيور التي تهاجر بين سيبيريا وجنوب افريقية .كما اصبحت العديد من الاسمالك والثدييات الفريدة في عداد المنقرضة الان , وكذلك تأثرت مصائد الاسماك شمالي الخيج العربي التي تعتمد علي تلك الاهوار كمناطق لتفريخ بيض الاسماك.
وبالرغم نت وجود مستويات عالية نسبياً من حيث الانتاجية السمكية في مياه الخليج العربي , الا ان هذه المياه لا تعتبر غنية كما هو الحال في بحار اخري من ناحية توافر الهائمات النباتية والتي هي اساس الانتاجية والتسلسل الغذائي . فتركيز الكلوروفيل ( اليخضور) الموجودة في الكائنات النباتية يتراوح بين 0.49 – 1.28 ملجم / سم2 ويعتبر هذا مستوي منخفضاً . ونظراً لانخفاض نسبة الهائمات النباتية فإن ذلك يؤثر علي الهائمات الحيوانية التي تشكل حلقة اساسية في الشبكة الغذائية والتسلسل الهرمي في انتقال الطاقة من مستوي غذائي الي مستوي اخر .
وعلي العكس من ذلك فإن مستويات الكتلة الحيوية القاعية ترتفع الي 236 ملجم / سم2 مما يدل علي اهمية انتاجية المواد القاعية ومن ضمن مصادر هذه المواد الغذائية الكميات الضخمة من الطحالب القاعية والاعشاب البحرية وبشكل خاص ( Halodule uninervus ) و ( Halopila ovalis ) التي تشكل غذاء للعديد من الحيوانات البحرية الهامة والنادرة . ومن المعروف ايضاً ان السلاحف الخضراء تعتمد في غذائها علي هذه الاعشاب وكذلك بقر البحر (الاطوم) , كما تستقر علي اوراقها الملايين من صغار محار اللؤلؤ قبل هجرتها الي المياه العميقة وتكوين مراقد المحار المعروف لدينا بالهيرات .
ومن الحيوانات الهامة والمهددة بالانقراض وكذلك المرتبطة بمنطقة الاعشاب البحرية بقر البحر او الاطوم ( Dugong ) والتي كانت معروفة في القصص والروايات الشعٌبية بعروس البحر . وهذا الحيوان من الثدييات اكلة العشب وقد انقرض فصيل قريب لها منذ حوالي 200 عام . ويتراوح عدد بقر البحر في الخليج العربي بحوالي 7.000 بقرة , يوجد اغلبها في المنطقة الممتدة بين مملكة البحرين ودولة قطر , ويوجد بعض منها بالقرب من الجزر الغربية لآمارة ابوظبي . ويشكل هذا العدد الكبير نسبياً ثاني اكبر تجمع لهذا النوع بعد ماهو موجود في استراليا . ويمكننا القول انه لو حالفك الحظ وشاهدت بقر البحر يسبح بهدوء في بيئته الطبيعية في مياه خليجنا الضحلة فإنه لابد ان تقدر هذا الكائن وتشعر بضرورة بقائه في بيئته الجميلة , والحفاظ علي ما يوجد علينا من ثروة طبيعية لا تقدر بأي ثمن .
وتجدر الاشارة هنا الي اشجار القرم التي تتواجد في المناطق الساحلية اضافة الي جمالها الطبيعي لها دور بارز في البيئة البحرية فهي من ناحية تعتبر مناطق حضانة للعديد من الاسماك والقشريات مثل الربيان ومن ناحية اخري فهي مصدر هام للمواد الغذائية التي تدخل البيئة البحرية عندما تتحلل اوراقها .
ولحيوانات الشعٌاب المرجانية ميزتان هامتان ايضا في البيئة البحرية فالميزة الاولي تكمن في استخلاصها لثاني اكسيد الكربون الجوي الذي يذوب بدوره في ماء البحر مكوناً حمض الكربونيك ومثلها مثل بقية الحيوانات التي تبني اصدافها وهياكلها الجيرية تقوم بابقاء حالة التوازن الكميائي للمحيط الموجود فيه من خلال استخدامها لكميات كبيرة من حمض الكربونيك لبناء هياكلها . اما الميزة الثانية فتكمن في حمايتها الكبيرة وحضانتها للانواع المختلفة والاعداد الكبيرة من الكائنات البحرية التي تعيش عليها وتحتمي بها .
أردت من خلال هذا الموجز المساهمة في تنبيه القارئ الكريم ولفت اهتمامه الي الاخطار والتغيرات التي تتعرض لها البيئة البحرية وكذلك التاكيد علي ضرورة حماية هذه الموارد والثروة الطبيعية في البيئة البحرية واستغلالها بطريقة عقلانية متزنة حتي نتمكن من الوصول الي تنمية مستدامة للخيرات الموجودة في مياه خليجنا , والحفاظ علي هذه الثروات الطبيعية ليس لنا فحسب بل من اجل اولادنا والاجيال القادمة .
المراجع
من كتاب الكائنات البحرية في الخليج
د / حميد العلوي اصدار مركز البحرين للاحياء البحرية .
|